اهلا وسهلا بك يا زائر فى مـنتـد ـيات احلى البنات


    رواية جميله

    شاطر
    avatar
    reem
    مـديـرة عـــامـة
    مـديـرة عـــامـة

    انثى عدد المساهمات : 182
    تاريخ التسجيل : 27/01/2010

    رواية جميله

    مُساهمة من طرف reem في الخميس مارس 04, 2010 7:46 am


    واطسون : كنت قبل زواجي أسكن مع شارلوك هولمز في شقة واحدة ، وتقوم على خدمتنا إمرأة عجوز تدعى السيدة هدسون ، ولقد اعتاد هولمز أن ينام متأخرا ولا ينهض باكرا ، لذلك شعرت بالدهشة حينما طرق باب غرفتي في ساعة مبكرة ، وأيقظني من نومي قائلا : اعذرني إن أيقظتك من نومك باكرا يا واطسون ، ولكنه المصير المشترك ، إذ إن السيدة هدسون استيقظت فأيقظتني وجئت أوقظك .

    فقال واطسون وهو يفرك عينيه : ماذا حدث ؟ هل اشتعلت النار في المنزل ؟

    فقال هولمز : لا : ولكني جاءتني زبونة شابة وهي تنتظرني في القاعة ، وحين يستيقظ الشبان مبكرا ، فمعنى ذلك أن القضية خطرة ولم أشأ أن أفوت عليك متعة المشاركة منذ بدايتها فأيقظتك .

    واطسون : هذا لطف منك …………… إني قادم .
    والحق أن هولمز يغرف شغفي بالقضايا التي يعالجها ، وإعجابي بمنطقه العلمي وتفكيره السديد ، فارتديت ثيابي على عجل ولحقت به إلى قاعة الاستقبال .
    وكانت في القاعة فتاة شابة مرتدية ثيابا سوداء ، وقد غطت وجهها بشبكة حريرية ، فنهضت لدخولنا ، فقال هولمز : صباح الخير يا سيدتي ………… إني شارلوك هولمز وهذا مساعدي وصديقي الدكتور واطسون ، وتستطيعين الكلام أمامه على راحتك . آه …… أرى أن السيدة هدسون هدسون قد أشعلت المدفأة ، وسوف أناديها لتغلي لنا بعض الشاي ، فأنت تشعرين بالبرد كما أرى
    فقالت : لا يا سيد هولمز ……… لا أرتجف من البرد ، بل من الخوف .
    وكان يبدو عليها الذعر حقا بحركاتها العشوائية ونظراتها الحائرة ، وهي لم تتجاوز الثلاثين من العمر ، ولكن شعرها انتشر فيه الشيب ، فبدت أكبر من سنها الحقيقي ، إنها إمرأة خائرة القوى …………
    فقال لها هولمز بلهجة حانية : لا تخافي ……… سنحل هذه القصية بأسرع ما يمكن ، إني واثق من ذلك ، هل جئت بالقطار هذا الصباح ؟
    فقالت : وكيف عرفت ، هل رأيتني من قبل ؟

    فقال هولمز : أنا لا أعرفك ولكني أرى أن بطاقة الدعوة يطل رأسها من حقيبة يدك .

    فقالت : نعم … لقد غادرت منزلي في الساعة السادسة ، وركبت القطار ثم توجهت إلى المحطة مباشرة ، ليس لدي أحد أقضي إليه بهمومي ، وقد حدثتني السيدة ( فارنتوش ) عنك وعن مساعدتك لها ، فهل تلبي إلي طلبي وتمد إلي يد العون ؟ ولكني لا أملك مالا في الوقت الحاضر ………… ولكني سأتزوج خلال شهر أو شهرين ولن أكون ناكرة للمعروف .

    فتوجه هولمز نحو مصنفاته وبدأ يبحث فيها :
    فارنتوش …… فارنتوش …… نعم … إنها قضية مجوهرات ، سنهتم بقضيتك كما اهتممنا بقضية السيدة فارنتوش و أكثر ، وأما أتعابي فأترك لك أمر دفعها حين يتيسر لك ذلك …والآن قصي بوضوح ما يشغل بالك .

    قالت المرأة : المخيف في حالتي يا سيد هولمز إني لا أعرف سبب خوفي ، وتحوم شكوكي حول تفاصيل دقيقة لا يمكن لأحد إدراكها سواي ، حتى أعز الناس لدي وأحبهم يظن أنها أوهام إمرأة ، وقد قيل لي انك رجل إنساني متفهم لآلام الناس ، هل هذا صحيح ؟

    فقال هولمز : حسنا ……… إني أستمع إليك .

    فقالت : إني أدعى (( هيلين ستوتر )) وأعيش مع زوج أمي المنحدر من عائلة إنكليزية عريقة ، وهي عائلة (( رالوت )) من منطقة ( سوزي ) .

    قال هولمز : هذا اسم معروف .

    فقالت : بعد أربعة أجيال فقدت هذه الأسرة ممتلكاتها كلها ، ولم يبق لها في مطلع القرن التاسع عشر سوى هكتارات من الأراضي ، ومنزل قديم عمره مائتا عام كأنه الأطلال ، وهي مرهونة كلها ، وقد حاول زوج أمي أن يبتعد عن حياة الوهم التي عاشها أبوه ، فاقترض بعض المال من أخواله ، ودرس الطب واستقر في كلوكوتا بالهند ، وسارت أموره على أحسن حال لأنه طبيب بارع ، ولكنه مولع بضرب الخدم الهنود ، وقد انهال بالضرب على أحدهم ذات يوم حتى قتله ، فحكم عليه بالسجن لمدة طويلة ، وحين خرج منه كان حطام إنسان ، في الهند تزوج ( روالوت ) أمي التي كانت أرملة ستونر القائد العام لقوات المدفعية في البنغال ، ولي أخت توأم تدعى جولي ، ولم يكن عمرها أكثر من عامين حينما تزوجت أمي الدكتور روالوت ، وكانت ميسورة الحال ، بل ثرية لأن دخلها يتجاوز الألف غنية سنويا

    و شاءت الأقدار أن تموت في حادثة قطار منذ ثماني سنوات ، وقد أوصت بثروتها إلى زوجها مادمنا نعيش معه ، ما عدا مبلغا من المال يدفعه إلينا سنويا استعدادا لزواجنا ،
    ولم يشأ الدكتور روالوت أن يستقر في لندن كما قرر أولا ، فذهبنا للإقامة في مسكن أجداده في ( سنوك موران ) ، غير خائفين من غدر الزمان ، لأن والدتنا تركت لنا ما يكفي من المال ، وسرعان ما تبدلت شخصية لدكتور روالوت تماما ، فلم يعقد صداقة مع جيرانه الذين ابتهجوا لقدوم أحد أفراد هذه العائلة العريقة إلى منطقتهم ، وأغلق الباب على نفسه لئلا يقابل أحدا ، وإذا خرج لكي يتشاجر مع الناس ، والظاهر إنها طبيعة متوارثة في العائلة ، وقد اشتدت حدتها بإقامته الطويلة في الهند ، وقضائه أعواما في السجن ، فأصبح يثير الرعب في القرية لسوء خلقه ، حتى أنه رمي الحداد في النهر ودفعت إليه ما أملك لئلا يقاضيه ، و أما أصدقائه فهم الغجر الذين سمح لهم بالإقامة في أراضيه المهملة فيزورهم و يقضي نهاية الأسبوع معهم في ترحالهم ، و زاد الأمر سوءا ولعه بالحيوانات المتوحشة ، فكان يراسل أحد أصدقائه في الهند ، فيبعث إليه من حين إلى آخر حيوانات حية و يوجد في حديقته الآن نمر و غوريلا ، و لا أدري أيهما أشد فتكا من الآخر ، و قد أطلقهما في الحديقة يتجولان مما أثار الرعب في القرية كلها .

    و تستطيع يا سيد هولمز أن تتصور حياتنا بعدئذ ، فالخدم يهربون بعد أسبوع ، مما يضطرنا إلى القيام وحدنا بأعباء المنزل الفسيح ، و حين توفيت أختي لم تكن قد تجاوزت الثلاثين ، و لكن شعرها أكثر شيبا من شعري الآن .
    هولمز : هل توفيت أختك ؟

    الآنسة هيلين : منذ سنتين ، و هذا موضوع حديثي الأساسي ، إذ أن لنا خالة عزباء تسكن منطقة ( هارو ) فكنا نزورها من حين إلى آخر ، و ذات يوم تعرفت أختي لديها إلى ضابط في البحرية ، و أعلنت زواجها ، و حين علم زوج امي بالأمر لم يعترض بل أظهر ابتهاجه ، و لكن أختي توفيت قبل أسبوعين منذ زواجها .

    و كان هولمز يصغي إليها مغمض العينين ، ففتحهما فجأة و قال : أذكري لي التفاصيل ، أرجوك .

    الآنسة هيلين : سأحاول … فالمشهد ما يزال محفورا في ذاكرتي .
    قلت لك أن المنزل قديم ، فلم نكن نشغل سوى طابقه الأرضي ، حيث انتشرت الغرف الثلاث حول الممر دون أن يفضي بعضها إلى بعض ……… هل تتابعني ؟
    هولمز : تماما ، أكملي !

    فقالت : وهذه الغرف تطل على الحديقة ، وذلك المساء نفسه ذهب الدكتور إلى غرفته ، ولكنه لم ينم لأننا كنا نشم رائحة سيكاره القوية ، ولبثت أختي معي ، وتجادلنا طويلا حول زواجها، ثم تركتني حوالي الحادية عشر ، وقبل أن تغلق الباب
    سألتني : هل سمعت في الليل صفيرا يا هيلين ؟
    الأنسة هيلين :أي صفير

    جولي : صفيرا خافتا .في المنزل أو حوله حوالي الثالثة صباحا لعله صوت شخيرك
    هيلين : لا ……فأنا لا أشخر
    جولي : كيف لم تسمعيه إذا !
    هيلين : لعله أحد هؤلاء الغجر المخيمين تحت الأشجار
    جولي : فكيف لم تسمعيه أنت أيضا ؟
    هيلين : لأن نومك أخف من نومي

    وانصرفت بعدئذ و سمعت صوت المفتاح يدور في باب غرفتها

    فقاطعها هولمز قائلا : هل من عادتك إقفال باب غرفتك ؟

    هيلين : نعم …… كل مساء

    شارلوك : و ما السبب ؟

    هيلين : لقد حدثتك عن الغوريلا و النمر فنحن نخاف منهما

    شارلوك : نعم…هذا صحيح تفضلي

    هيلين : كانت ليلة عاصفة لم أذق فيها طعم النوم لقصف الرعد ولمعان البرق ، وفجأة سمعت صوتا شق سكون الليل إنه صوت أختي ففتحت الباب فخيل إلي إني أسمع فحيحا أو صفيرا خافتا ، وبعد لحظة سمعت صوت شيء معدني كأنه سلسلة تسقط على الأرض أو أداة ما شبيهة بها كنت جامدة في الممر من الهلع و إذا بباب أختي يفتح و رأيتها تخرج شاحبة تترنح يمينا و شمالا فسارعت إليها أسندها فانهارت على الأرض بين يدي وكانت ترتجف وجسدها ملوي إلى الخلف كأنها تتألم ألما شديدا ، ثم همست إلي قائلة هيلين إنه الشريط المرقط ، ولعلها تريد أن تقول شيئا آخر وهي تشير إلى غرفة زوج أمي و فار الزبد من فمها وانقلبت عيناها فهرعت إلى تلك الغرفة وطرقته بعنف فخرج ملهوفا و جرى إلى أختي و حاول أن يسقيها بعض الماء و لكنها فقدت الوعي ثم توفيت بعد لحظات دون أن تستعيد وعيها.

    سألها هولمز : هل أنت واثقة من أنك ذلك الصفير الخافت وذلك الصوت المعدني وهل تعرفين ما مصدره ؟

    هيلين : هذا ما طلبه مني مفتش الشرطة ولعلني قد توهمته وسط هبوب العاصفة ولكني واثقة من سماعه

    شارلوك :ماذا كانت ترتدي أختك ؟

    هيلين : كانت ترتدي فستان نومها وبيدها علبة كبريت وكان ما يزال العود مشتعلا بيدها الأخرى

    شارلوك : هذا مهم لأن معناه أنها حين استيقظت على الضجة أشعلت عود الكبريت لتعرف ما هو . ما رأي مفتش الشرطة ؟

    هيلين : قد قام بتحقيق جاد بسبب السمعة السيئة لزوج أمي ولكنه لم يستطع تحديد سبب الموت و قد شهدت بأن النوافذ مغلقة من الداخل و أي سمعتها تغلق غرفتها بالمفتاح ولم نجد شقا في الحائط أو الأرضية فثبت بالدليل أن أختي ، لقيت مصرعها وهي بالغرفة وحدها ، ولم نجد آثار عنف على جسده .

    هولمز : و هل توجهت أبحاث المفتش إلى السم ؟؟
    هيلين : بالضبط…… و لكن التحاليل لم تؤدي إلى شيء .
    هولمز : هذا غريب … و ما سبب موت أختك في رأيك ؟؟
    هيلين : أظنها ماتت من الرعب و لكن ما الشيء الذي أرعبها إلى هذه الدرجة ؟؟ لست أدري .
    هولمز : ماذا كانت تعني بقولها الشريط المرقط ؟؟؟
    هيلين : فكرت طويلا في معناها و قلت لنفسي لعلها تقصد المنديل المرقط الذي يضعه الغجر على رؤوسهم .
    فهز هولمز رأسه و لم يظهر عليه الإقتناع : تابعي ماذا حدث بعدئذ ؟؟؟
    هيلين : انقضت سنتان ، فتقدم لخطبتي صديق أعرفه منذ زمن بعيد ، و لم يعترض زوج أمي على زواجنا في الربيع القادم .

    و قبل البارحة اضطررت إلى ترك غرفتي لأن العمال هدموا الجناح الشرقي لإصلاحه و نمت في غرفة أختي المتوفاة و البارحة أحسست بالرعب الشديد لسماع الصفير الخافت نفسه الذي وصفته لك ، فنهضت من سريري و أشعلت المصباح فلم أجد شيئا ، فارتديت ملابسي و ركبت عربة إلى محطة القطار و جئت إليك .

    فأمسك هولمز بمعصمها قائلا : و لكنك تتسترين على زوج أمك ….
    هيلين : و كيف ذلك ؟؟
    فكشف معصمها فإذا عليها أصابع زرقاء و قال : إنه يسيء معاملتك ….
    هيلين : نعم ….. إنه رجل قاسي القلب .

    و لم يجبها و جعل يحدق في النار مفكرا ، ثم قال : هذه قضية معقدة حقا : و لابد من التحقق من بعض التفاصيل فيها ، و لكن الوقت قصير ، لابد من زيارة ستون موران اليوم ، ورؤية الغرف دون أن يدري زوج أمك فهل هذا ممكن ؟؟؟؟؟
    هيلين : نعم ، لأنه ذاهب اليوم إلى لندن و سوف يتغيب النهار كله و لدينا خادمة منذ أسابيع و لكنها عجوز بلهاء أستطيع إبعادها بسهولة …....

    هولمز : و متى سترجعين إلى المنزل ؟؟
    هيلين سأستقل قطار الثانية عشر ….
    هولمز : حسنا ، سنستقل نحن القطار التالي عليه .
    هيلين : أشكرك يا سيد هولمز …. و لكن هل ستساعدني حقا ؟؟
    هولمز : لا ريب في ذلك …….اطمئني ، إلى اللقاء .

    فأحكمت هيلين ستونر الشبكة الحريرية على وجهها و مضت فقلت له : ما رأيك يا هولمز ؟
    هولمز : إنها قضية غامضة و محزنة .
    واطسون : و لكن الفتاة تؤكد أن أختها كانت وحدها .

    هولمز : و الصفير أو الفحيح يا واطسون ؟؟ و عبارة الشريط المرقط ؟؟ يجب أن نربط بين الصفير الليلي بوجود جماعة الغجر في الحديقة مع مصلحة زوج أمها في ألا تتزوج لئلا يفقد ثروته ، أضف إلى ذلك الصوت المعدني الذي قد يكون صوت قضيب من الحديد انتزع ثم أعيد إلى مكانه ، و أظن أن حل القضية يدور حول هذه العناصر .
    واطسون : و لكن ما عسى الغجر يفعلون ؟؟
    هولمز : ليس لدي أي فكرة بعد ، و لكننا سنذهب بعد الظهر لنرى تطابق الفرضية مع الواقع… ما هذا ؟

    و فجأة انفتح الباب و دخل رجل ضخم فوقف و الشرر يتطاير من عينيه . كان أصفر الوجه ملأته التجاعيد ، و عيناه غائرتان تتحركان في كل اتجاه ، و أنف معقوف كأنه منقار طائر جارح ، و يحيط بذلك كله تعبير من الدهاء و الشر لا يمكن وصفه ، و كان يرتدي ملابس خليطا من ثياب الفلاحين و أهل المدينة ، و يمسك بيده سوطا متينا .
    فقال العملاق بصوت قوي : أي منكما المدعوهولمز ؟؟
    فقال هولمز بهدوء : أنا هو يا سيدي فهل أتشرف بمعرفة اسمك و سبب زيارتك ؟؟
    فقال العملاق : إني الدكتور ** كريمسباي روالوت ** من ستون موران .
    هولمز : حقا…. تشرفنا ..
    روالوت : لقد خرجت إبنة زوجتي من هنا ، فماذا تريد ؟؟
    فقال هولمز بلهجة رزينة : ألا تظن أن النهار مشرق بالنسبة لهذا الفصل ؟؟
    فزمجر الرجل : ماذا تريد ؟؟
    فتابع هولمز سخريته : هل تظن أن موسم التفاح سيكون جيدا هذا العام ؟؟
    فصاح الرجل بصوت متقطع : لا تريد أن تجيبني … أعرفك أنت شرلوك هولمز …المحقق الجنائي الجاسوس …عميل الشرطة .
    فابتسم هولمز راضيا عن نفسه و قال : لقد كانت محادثة ممتعة و مثيرة يا دكتور ، و لكني أرجوك أن تغلق الباب قبل أن تذهب ، لأني أكره التيارات الهوائية !!
    قال الرجل : سأذهب حين أريد … لكني أحذرك بأني أكره التدخل في شؤوني ، إني خطر إذا هوجمت .

    و تقدم خطوة إلى الأمام و أمسك بمحرك المدفأة الحديدي و لواه بسهولة ، و صاح : ابتعد عن طريقي و إلا ……
    قال هولمز : أراك إنسان شديد التهذيب قوي العضلات ….
    و أمسك بالمحرك و رده مستقيما كما كان بحركة واحدة ، فرماه الرجل بنظرة شريرة و غادر الغرفة مسرعا .
    و حين بقينا وحدنا قال هولمز : لا أريد لهذه الفتاة أن تلقى المتاعب بسببي ، أحتاج إلى بعض المعلومات ، و سوف أحصل عليها ثم أعود .
    و رجع هولمز بعد ساعة و قال : لقد اطلعت على وصية أم هيلين ، إن أموالها لم تعد طائلة بعد انهيار العائدات الزراعية ، و إذا تزوجت الفتاتان فسوف يواجه زوج أمهما الإفلاس .
    و قد تخلص من الأولى ، و أخشى على الثانية من شره ، لنسرع إلى ستون موران و لا تنس أن تحمل مسدسك معك يا واطسون ، لأن من يلوي محراك المدفأة يحتاج إلى شيء مختلف عن البراهين المنطقية

    و ركبنا القطار أنا و هولمز ، ثم استأجرنا عربة من المحطة التي تبعد حوالي 8 كيلومترات عن ستون موران ، فمشت بنا عبر الحقول المزهرة و كان النهار جميلا يتناقض مع البناء المتداعي الذي رأيناه قائما فوق تلة مرتفعة . و سأل هولمز السائق عن ستون موران فقال : إن المزرعة أما منا ، و الأفضل أن تسيروا عبر الحقول لتصل إليها .

    فنزلنا من العربة و دفعنا للسائق أجرته فعاد أدراجه .
    صعدنا التلة إلى المزرعة ، فقال هولمز و قد رأى هيلين : صباح الخير يا آنسة هيلين …لقد وفينا بوعدنا .

    فأسرعت الفتاة إلى لقائنا و قد ظهرت بشائر الفرحة على وجهها ، و صاحت : كنت أنتظركما بفارغ الصبر ، و لقد غادر زوج أمي المزرعة ، و لن يعود إلا المساء ..

    فقال هولمز بلهجة مخادعة : لقد تشرفنا بمعرفته .

    و حكى لها بكلمات ما حدث هذا الصباح ، فاصفر وجهها و قالت : إنه ماكر و لم أنتبه إلى إنه يراقبني .. ماذا سيقول لي بعد عودته ؟؟

    هولمز : سيكون حذرا ، أغلقي هذا المساء غرفتك بعناية ، و إذا خفت أن يضربك أخذناك إلى عمتك ، و لكن علينا ألا نضيع الوقت الآن ، أين الغرف ؟؟

    كان البناء متداعيا و قد نصبت الصقالات لترميمه ، و لكننا لم نجد للعمال أثرا . و مشى هولمز عبر أطلال الحديقة و تأمل المنزل من الخارج و قال : أظن أن هذه نافذة الغرفة التي تنامين فيها ، و في الوسط غرفة أختك ، وهذه الأخيرة غرفة زوج أمك ؟؟
    هيلين : تماما … و لكني قلت لك إني أشغل الآن الغرفة الوسطى .
    هولمز : بسبب الترميم ، و لكن هل هذا الترميم ضروري فعلا .
    هيلين : لا ، و أظن زوج أمي اخترعه لكي يضطرني إلى تبديل غرفتي .
    هولمز : كلام صائب …و أظن أن الدهليز يمر أمام الغرف و لها نوافذ تطل عليه .
    هيلين : نعم .. ولكنها صغيرة ضيقة لا يستطيع أحد الدخول منها .
    هولمز : حسنا ، ادخلي الآن غرفتك ، وأرجو أن تغلقي أبواب النوافذ الخشبية .
    فدخلت هيلين و أغلقتها ، وحاول هولمز أن يفتحها من الخارج فلم يقدر ، ولم يجد شقا يدخل منه سكينا يدفع به قضيب الحديد الذي يعترضها من الداخل .
    فقال هولمز وهو يحك ذقنه : حسنا …. لا يمكن فتحها من الخارج … إن فرضيتي أصيبت بضربة عنيفة ، لندخل الآن .

    لم يهتم هولمز بغرفة هيلين بل انصرف إلى الغرفة التي كانت تشغلها المرحومة جولي ، وهي واطئة السقف فيها مدفأة واسعة وسرير و طاولة صغيرة بجانب النافذة اليسرى و فوق سجادة دائرية الشكل كرسيان من الخشب .
    فجلس هولمز على أحد الكرسيين ، وجعل يتأمل الغرفة كأنه يريد أن يحفر تفاصيلها في ذاكرته

    و أشار بعد قليل إلى حبل مجدول يتدلى فوق السرير و قال : أين نهاية هذا الحبل ؟؟
    هيلين : في غرفة الخادمة لاستدعائها .
    هولمز : و هل هو هنا منذ زمن طويل ؟؟
    هيلين : منذ ثلاث أو أربع سنوات .
    هولمز : و هل طلبت أختك أن يوضع في غرفتها ؟
    هيلين : لا …… ونحن لا نستخدمه أبدا …. فقد تعودنا أن ندبر أمورنا بنفسنا ، و لا نحتاج إلى الخدم .
    فأمسك هولمز بالحبل و جذبه بقوة فلم نسمع صوت الجرس و لم يتحرك الحبل من مكانه ، فقال : آه .. إنه جرس زائف …. و الحبل مربوط بحلقة فوق فتحة التهوية .
    فقالت هيلين : لم ألاحظ هذا من قبل …. أمر عجيب .

    فقال هولمز : طبعا … و إني لأتساءل كيف يفكر المهندس المعماري ببناء فتحة تهوية تؤدي إلى الغرفة المجاورة و لا تؤدي إلى الخارج .
    هيلين : هذه الفتحة أحدثت مؤخرا .
    هولمز : لعلها أحدثت مع حبل الجرس أيضا .
    هيلين : نعم … في الوقت نفسه .
    فقال هولمز : جرس لا يقرع … و فتحة تهوية لا فائدة منها ، سأرى الغرفة المجاورة إذا سمحت .

    كانت غرفة الدكتور أوسع قليلا ، و لكن فيها الأثاث البسيط نفسه ، سرير متنقل ، و مكتبة صغيرة من الخشب الأبيض مملوءة بالكتب الطبية ، و كنبة و كرسي خشبي و طاولة مدورة و حقيبة معدنية كبيرة .

    و تفحص هولمز الأثاث بعناية ، و قال و هو يلمس الحقيبة المعدنية بقدمه : ماذا يوجد بداخلها ؟
    هيلين : فيها أوراق زوج أمي ، و قد رأيتها مفتوحة منذ سنوات ، و أذكر أن فيها أوراقا و مصنفات .
    هولمز : و لا أظن أن فيها مكانا للقطط .
    هيلين : قطط ؟ أي قطط ؟ ليس لدينا قط .
    هولمز : حقا ؟ و ما هذا ؟ و أشار إلى صحفة على الأرض مملوءة بالحليب .
    فقالت هيلين : فعلا .. و لكن ليس لدينا قط … لدينا نمر و غوريلا
    فقال هولمز : على كل حال النمر قط كبير ، و لكن لا تشبعه صحفة حليب .
    تفحص هولمز الأرضية بمكبرته ، ثم التقط شيئا و قال : ما رأيك بهذا يا واطسون ؟
    واطسون : إنه رسم كلب … و في طرفه أنشوطة ، و ما فائدته ؟
    فقال هولمز : سنعرف فيما بعد …. و الآن يا آنسة هيلين … إن حياتك في خطر ، و لا أريد أن يفاجئنا الرجل هنا ، و قد عزمنا أن نقضي اللية في غرفتك … فإذا أقبل المساء تذرعي بصداع لكي تدخلي هذه الغرفة التي تنامين فيها ، و حين يظلم الليل افتحي النافذة و أضيئي المصباح و اخفضيه 3 مرات ، لأننا سننزل في فندق القرية القريب ، ثم غادري هذه الغرفة إلى غرفتك السابقة ، و لا تنسي أن تتركي النافذة مفتوحة لأننا سننام لأننا سننام في غرفة أختك …

    فقالت هيلين : أظنك تدبر خطة .
    هولمز : ممكن …. و لا أريد الحديث عنها .
    هيلين : هل تصدقني إذا قلت لك إن أختي ماتت من الخوف ؟
    هولمز : لا… لقد ماتت من شيء ملموس ، سنسعى إلى اكتشافه … و لكن افعلي ما أوصيتك به حرفيا !

    استأجرنا غرفة و قاعة في الطابق الأول من فندق ** التاج ** و كانت تطل على ستون موران ، و الجانب المسكون من البناء فيه ، و مع حلول الظلام رأينا الدكتور يعود إلى الدار ثم يضاء النور في غرفته .

    فقال هولمز لي: إني أشعر بتأنيب الضمير ورطتك في هذه القضية
    واطسون : وهل تحسبني خائفا من الأخطار ؟ وهل نسيت ما واجهناه معا ؟ ولكن قل لي إلى أين وصلت تحرياتك ؟؟
    هولمز : لقد رأيت بنفسك ما رأيته أنا ..
    واطسون : ولكنك استنتجت شيئا … هذا واضح
    هولمز : لم أستنتج شيئا خاصا ، ولفت انتباهي رسن الكلب هذا ، فما فائدته ؟؟
    واطسون : وفتحة التهوية ؟ إنها صغيرة لا تتسع لقبضة اليد ….. ولكن ما العجيب فيها ؟؟
    هولمز : كنت أتوقع وجودها قبل قدومي إلى ستون موران
    واطسون : كيف ذلك ؟؟
    هولمز : ذكرت لنا الفتاة أنها شمت رائحة السيجار من غرفتها ، وعلمت أن زوج أمها ما يزال مستيقظا ، مما يدل على وجود فتحة ينفذ منها الدخان ، و أجد كثيرا من المصادفات : فتحة تهوية و حبل جرس وفتاة تموت في سريرها .
    فقال واطسون : وأين الغرابة في هذا ؟
    هولمز : ألم تتأمل السرير جيدا ؟
    واطسون : نعم .
    هولمز : وهل لاحظت شيئا ؟
    واطسون : لا لم ألاحظ شيئا .
    هولمز : إنه مثبت بالأرضية ولا يمكن زحزحته من مكانه ، فهل رأيت أسرة من هذا النوع ؟؟
    واطسون : هذا غريب !
    هولمز : إنه أكثر من غريب يا واطسون ، فالفتاة لا تستطيع إلا أن تنام تحت حبل الجرس المعلق تحت فتحة التهوية .
    فقال واطسون بلهجة الخائف : هولمز ! لقد بدات أدرك ما تعني … ولكن هذا أمر فظيع !
    فهز رأسه قائلا : إنه ابتكار مخيف … فلا حد للشراسة الإنسانية .

    حوالي التاسعة أطفئت الأضواء بالمنزل البعيد وساد الظلام . وبعد ساعتين التمع نور المصباح في النافذة ثلاث مرات ، فهب هولمز واقفا وقال : الإشارة … هيا يا واطسون …. جاء دورنا .

    أعلمنا صاحب الفندق بأننا سنزور صديقا لنا في الناحية ومن المحتمل أن نقضي الليلة عنده ، وخرجنا فإذا الليل بارد والجو كئيب .
    لم نجد صعوبة في اجتياز السهل المحيط بالمبنى ، ودخلنا الحديقة التي انهارت أسوارها ، وما كنا نخطو بضع خطوات حتى رأينا مخلوقا قزما شبيها بالإنسان يلوح بيديه وهو يمشي متمايلا على جانبيه ، فأمسكت بيد هولمز خائفا وتشبث بي ومر بجانبنا دون ان يلتفت إلينا ، وابتعد يجري

    و همست بضحكة مكتومة : الغوريلا !

    لقد نسينا هواية الدكتور في جمع الحيوانات فأسرعنا قبل أن يتعرف علينا النمر ودخلنا الغرفة وأغلق هولمز النافذة ووضع مصباحا على الطاولة فإذا الغرفة كما تركناها .
    وقرب هولمز فمه في أذني وهمس بصوت لا يكاد يسمع : يجب ألا تحدث صوتا و إلا فالموت بانتظارنا ، يجب أن نطفئ المصباح لئلا يرى نوره من فتحة التهوية واجعل مسدسك في متناول يدك …. سأجلس بجانب السرير واجلس أنت على الكرسي ، الصمت او الموت !

    أخرجت مسدسي ووضعته على الطاولة ، وكان هولمز قد جلب معه سوطا رفيع مرنا ، فوضعه على السرير بجانب شمعة وعلبة كبريت ثم أطفأ المصباح … ولبثنا في الظلام ، ولن أنسى ما حييت ذلك الإنتظار المريع ، إذا كنت لا أسمع تنفس هولمز وهو قريب مني … وتناهى إلينا زئير النمر في الحديقة ، فمر علينا الزمن كأنه دهر طويل ، وتيبس أطرافي وأنا لا أجرؤ على الحركة ، وتوفزت حواسي في الظلام .
    وفجأة التمع برق أحمر من جهة فتحة التهوية ثم اختفى ،
    وشممنا رائحة اشتعال الزيت والمعدن الساخن ، فقد أضيء القنديل في الغرفة المجاورة ، وسمعت حركة فتهيأت للوثوب ، ولكن الوثوب على أي شيء ؟؟
    واشتدت الحركة ، واقشعر جسدي وانا أسمع صوت فحيح كأنه الماء يغلي على النار ، الصفير في الحجرة .

    فنهض هولمز و أشعل عود كبريت ، وبدا يضرب بسوطه حبل الجرس المتدلي فوق السرير وهو يصيح : هل تراه ياواطسون ؟ هل تراه ؟

    و لكنني لم أر شيئا ، وحين أشعل هولمز عود الكبريت ارتفع الفحيح وصار أقوى ، ولم أبصر على النور الضئيل ما كان يضربه بهذا العنف ، وما كنت أرى سوى وجهه الشاحب المليء بالغضب والاشمئزاز .

    وتوقف عن الضرب بسوطه وهو يلهث وينظر إلى فتحة التهوية فارتفعت من الناحية الثانية من الجدار صرخة هائلة لم أسمع مثلها صرخة ألم وخوف وغضب ، تعالت ثم انتهت باختناق المحتضر .

    و صحت: ما هذا ؟
    فنظر إليه هولمز ووجهه أصفر كالليمون : لقد انتهى كل شيء .. هذا أفضل ..احمل مسدسك ولندخل غرفة الديكتور .
    وطرق الباب المجاور فلم يسمع شيئا ، فأدار المقبض وفتح الباب وتبعته ومسدسي بيدي ….
    كان القنديل على الطاولة يرمي شعاعه النحيل والحقيبة المعدنية مفتوحة ، والدكتور روالوت على كرسيه ثابت لا يتحرك ، وعلى ركبيته رسن الكلب الذي شغل فكري ، ورأسه ملقى إلى الوراء وعيناه مفتوحتان تحدقان في السقف و على جبينه شريط أصفر مرقط ببقع بنية ملتصق به . فهمس هولمز : الشريط …. الشريط المرقط

    وتقدمت خطوة إلى الأمام فتحرك الشريط العجيب على جبين الميت وارتفع طرفه ، فإذا هو رأس أفعى مثلث الشكل .

    وهمس هولمز لي : أفعى مائية …. أشد أفاعي الهند فتكا ، ويموت من تلدغه بعد عشر ثواني ، لقد قتل نفسه بنفسه ، لنرجع هذه الأفعى إلى الحقيبة المعدنية . وأمسك بالرسن ذي الأنشوطة ، وأحكمه على عنق الأفعى ثم انتزعها بجذية قويه وحملها بعيدة عن جسمه ، ثم رماها في الحقيبة الحديدية و أغلق غطاءها

    كذلك كان موت الدكتور روالوت ، وغني عن القول أن الشرطة اعتبرت وفاته حادثا ، وقد ذهبت الآنسة هيلين إلى بيت عمتها ، وتزوجت بعد ذلك .

    وما بقي علي قوله قد سمعته من هولمز ونحن في طريق العودة ، قال هولمز وهو يفكر بعمق : لقد سرت في طريق خاطئة حين ربطت ما بين الشريط المرقط وبين الغجر المقيمين في الحقول ، وسبب ذلك ما قالته لي هيلين ، ولكني حين اكتشفت الرسن الذي تربط به الأفاعي ، وفتحة التهوية وجهت نظري إلى إمكانية وجود حيوان ، لأن الدكتور مولع بجلب الحيوانات من الهند وكان ينبغي للمفتش أن يكتشف العضتين اللتين تركتها الأفعى في عنق الفتاة ؟
    والدكتور روالوت المجرم خبير بالسموم ، وهو يعرف ان سم هذه الأفعى لا يكتشف بالتحاليل الكيماوية أو الطبية الحالية ، ولعل جولي قد نجت من لدغ الأفعى مرات ومرات حتى ظفرت الأفعى بها .

    قد أكون مسؤولا عن موت الدكتور لأني هاجمت الأفعى بسوطي و أجبرتها على العودة من فتحة التهوية فارتمت على الدكتور ، ولكنها مسئولية لا تشغل بالي ولا تمنع النوم من عيني .
    تحياتي

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 17, 2017 9:30 pm